داعبت شمس المتوسط شواطئ قبرص الذهبية، وكان جيل، مطوّر عقاري إسرائيلي شاب ونشيط لكنه يفتقر إلى الخبرة الدولية، يتأمل ميناء لارنكا. لمعت عيناه وهو يتخيل ناطحات سحاب ومجمّعًا تجاريًا يعجّ بالزوار ينبتان في الأراضي البكر التي اشتراها. كانت رؤيته واضحة: «قبرص هي دبي القادمة»، أعلن، وكان مصممًا على أن يكون من يحقق الإمكانية الهائلة.
لم يضيّع جيل وقتًا. أنهى شراء الأرض دون أن يجري، عبر فريق محلي، فحوصًا نافية للجهالة جدية للأرض، واكتفى بفحص قانوني أدنى بشأن الحقوق في الأرض. وقّع على اتفاقيات، واستثمر كل مدخراته في مشروع «لارنكا سيتي»، مشروع طموح تضمن إقامة مجمّع سكني وترفيهي وتجاري. كان واثقًا من نجاحه، فهو يرى يوميًا إعلانات متزايدة عن عروض عقارات في قبرص على الشبكات الاجتماعية، واستنتج من ذلك أن الطلب على العقارات في قبرص لا يفعل إلا الازدياد، ووفق الحسابات التي أجراها مرة تلو أخرى وجد أن أرباح المشروع يُفترض أن تكون فلكية. وكما أنه لم يجرِ فحصًا نافيًا للجهالة كاملًا وشاملًا، لم يعدّ أيضًا خطة تجارية مفصلة ولم يجرِ فحوصات، لا من حيث متطلبات السلطات من الناحية التخطيطية ولا من حيث تكاليف البناء (فتكاليف اليد العاملة، مثلًا، في قبرص لا تشبه إسرائيل). ظن جيل أن النجاحات في مشروعَي «تاما 38» (خطة قطرية إسرائيلية لتعزيز المباني في مواجهة الزلازل) اللذين بادر إليهما في حولون جعلته مطوّرًا عقاريًا متمرسًا وأن لديه المعرفة والأدوات لمشروع في قبرص، ولم يفهم أن المبادرة في الخارج (وبالتأكيد للمرة الأولى في دولة لم تعمل فيها من قبل) لا تشبه المبادرة في إسرائيل.
لكن مع مضي الأشهر، بدأت تظهر تصدعات في الصورة الوردية. تأخيرات بيروقراطية، وأنظمة محلية معقدة، وصعوبات في الحصول على ائتمان من البنوك المحلية بدأت تؤخر تقدم المشروع وتنخر في ربحيته. تكاليف استثنائية وغير متوقعة (من كان يظن أن السلطات ستطلب منه إجراء فحوصات تلوث للأرض، أو شق طريق وصول على نفقته)، وصعوبات في التعاون مع أصحاب المهن، وصراعات داخلية مع الشركاء أدت إلى تعطل المشروع في مكانه، وإلى خسائر مالية.
جيل، الذي رفض أن يستسلم، حاول جمع مستثمرين إضافيين، لكنهم تراجعوا من الفوضى. حاول التوجه إلى بنوك في إسرائيل، لكنها لم تكن متحمسة لتمويل مشروع عقاري في قبرص. وحين وصل إلى مكتبنا كان على شفا اليأس، ورأس ماله الذاتي يتناقص، ولا ينجح في العثور على حل يخرجه من المأزق الذي وقع فيه ومن الالتزامات التي أخذها على عاتقه.
يقرر بحث لمعهد الأبحاث الدولي McKinsey: «الخطة التجارية هي بوصلة كل مطوّر عقاري، لكنها مهمة بشكل خاص حين يتعلق الأمر بمشروع في الخارج، حيث المخاطر أكبر والعقبات أكثر تعقيدًا».
الخطة التجارية المهنية، كما يؤكد المطوّر العقاري الأمريكي سام زل، ستعطينا نحن المطوّرين نظرة استشرافية تمنع صعوبات غير متوقعة وانهيار المشروع: «إهمال التخطيط المسبق لكل خطوة يجلب المخطِّط إلى الندم».
للخطة التجارية المهنية خمسة مكونات مهمة:
1. تحليل السوق: فهم السوق المحلية، بما في ذلك الطلب والعرض والاتجاهات والمنافسين والأنظمة.
2. التخطيط المالي: تقدير التكاليف ومصادر التمويل والتدفق النقدي وتوقعات الربح والخسارة.
3. التخطيط التسويقي: تطوير استراتيجية تسويقية مواءمة للجمهور المستهدف المحلي.
4. التخطيط التشغيلي: إدارة المشروع والجداول الزمنية وسلسلة الإمداد وتوظيف الأيدي العاملة.
5. إدارة المخاطر: تحديد المخاطر المحتملة وتطوير خطط طوارئ.
حين بدأنا معالجة حالة جيل، كان أول ما فعلناه أن طلبنا منه وقف كل نفقة وكل إجراء. في المرحلة الأولى انعزلنا مع جيل ومع فريق مهني محلي قبرصي شكّله الشريك المحلي (مهندس معماري محلي عملنا معه في مشاريع سابقة، ومدير مشاريع محلي، والمحاسب المحلي لجيل، ومن حين إلى آخر استشرنا أيضًا مقاولين منفذين محليين بشأن تكاليف المواد الخام وتكاليف التنفيذ) لمدة 3 أيام من العصف الذهني ودراسة الخيارات وإعداد خطة تجارية. وكلما تعمقت أدركت أن حظ جيل الكبير كان أن المستثمرين وثقوا به من معرفة سابقة، إذ لم تكن الخطة التي أعدها خطة مدعومة بالمعطيات وببحث جدي أجراه فعلًا. ونتيجة لذلك بنينا عدة بدائل تخطيطية للأرض المملوكة لجيل، وأعددنا لكل منها خطة تجارية، وقررنا أن نبدأ بالذات بفحص الجدوى من ناحية السلطات لكل من البدائل، وبعد اجتماعات مع رئيس البلدية والمهندس المعماري للبلدية في لارنكا والحصول على «ضوء أخضر» منهما لبديل ما، نتقدم في التخطيط التفصيلي ونحاول إخراج المشروع من الوحل.
يقرر بحث أكاديمي لجامعة كولومبيا: «التحضير الدقيق سيوفر كثيرًا من وجع الرأس، وبالأساس الخسائر المالية والأعذار».
قصة جيل علامة تحذير لكل مطوّر عقاري يرغب في توسيع نشاطه وراء البحار. لا تنجرّوا وراء أحلام عظمى، ولا تستخفوا بالتفاصيل الصغيرة، ولا تتجاهلوا المخاطر. خططوا بدقة، واستشيروا أصحاب الخبرة، وتذكروا: «فكّر قبل أن تفعل».
القصص مبنية على حالات حقيقية مع تغيير التفاصيل التعريفية. لا تُعدّ استشارة قانونية.
مترجم عن الأصل العبري. עברית






